التهاب القولون التقرّحي: الأسباب والفحوصات والنظام الغذائي ودور الطب الوظيفي
التهاب القولون التقرّحي هو أحد أمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة، ويصيب البطانة الداخلية للقولون والمستقيم. غالبًا ما يمر المرض بفترات من النشاط أو النوبات تتخللها فترات من الهدوء. وتشمل أعراضه الشائعة الإسهال، ووجود الدم أو المخاط في البراز، والحاجة الملحّة إلى التبرز، وألم البطن، والإرهاق، وأحيانًا فقدان الوزن غير المقصود.
وعلى الرغم من أن المرض يصيب الأمعاء الغليظة بصورة رئيسية، فإن تأثيراته لا تقتصر دائمًا على الجهاز الهضمي؛ فقد تظهر لدى بعض المرضى مشكلات في المفاصل أو الجلد أو العينين أو الكبد والقنوات الصفراوية أو العظام أو الدم.
لا يزال السبب الدقيق لالتهاب القولون التقرّحي غير معروف. وتشير المعرفة الحالية إلى أنه ينشأ نتيجة تفاعل معقّد بين الاستعداد الجيني، واضطراب تنظيم المناعة، واختلال ميكروبيوم الأمعاء، وضعف الحاجز المعوي، وبعض العوامل البيئية.
ما أسباب التهاب القولون التقرّحي؟
لا يوجد سبب واحد مسؤول عن المرض، بل يبدو أنه ينتج عن تفاعل عدة عوامل.
١. الاستعداد الجيني
ارتبط عدد كبير من المواقع الجينية القابلة للإصابة بأمراض الأمعاء الالتهابية، ومنها مواقع متعددة مرتبطة بالتهاب القولون التقرّحي. وقد تؤثر هذه الجينات في:
● تنظيم الاستجابة المناعية
● سلامة الحاجز الظهاري المبطن للأمعاء
● طريقة تعرف الجسم إلى الكائنات الدقيقة الموجودة في الأمعاء والتعامل معها
● الالتهام الذاتي وآليات الدفاع الخلوية
● مسارات الإجهاد التأكسدي ووظائف الميتوكوندريا
وجود الاستعداد الجيني لا يعني بالضرورة أن الشخص سيصاب بالتهاب القولون التقرّحي، لكنه قد يؤثر في طريقة استجابة المناعة والحاجز المعوي للمحفزات البيئية أو الميكروبية.
٢. اضطراب تنظيم المناعة
يتضمن التهاب القولون التقرّحي استجابة مناعية مفرطة وغير منضبطة داخل الأمعاء الغليظة. إذ يتفاعل الجهاز المناعي بصورة غير طبيعية مع ميكروبات الأمعاء وغيرها من المواد الموجودة داخلها، مما يؤدي إلى استمرار الالتهاب وتضرر الغشاء المخاطي للقولون.
٣. اختلال ميكروبيوم الأمعاء وضعف الحاجز المعوي
ميكروبيوم الأمعاء هو مجتمع الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي. وقد وجدت الدراسات تغيرات متكررة في الميكروبيوم لدى المصابين بالتهاب القولون التقرّحي، مع عدم وجود نمط واحد ينطبق على جميع المرضى.
ومن التغيرات التي جرى رصدها:
● انخفاض التنوع الميكروبي العام
● انخفاض بعض البكتيريا المفيدة المنتجة للبيوتيرات
● انخفاض أنواع مثل Faecalibacterium prausnitzii وRoseburia hominis
● حدوث تغيرات في مجموعتي Firmicutes وBacteroidetes
● زيادة بعض الأنواع المحفزة للالتهاب التابعة لـProteobacteria وEnterobacteriaceae
قد تؤدي هذه التغيرات إلى انخفاض إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، ومنها البيوتيرات. كما قد تضعف الحاجز الظهاري للأمعاء، وتزيد نفاذية الأمعاء، وتحفز النشاط المناعي الالتهابي.
ومع ذلك، لا يكون اختلال الميكروبيوم متماثلًا لدى جميع المرضى، ولا تستطيع نتيجة تحليل تجاري للميكروبيوم وحدها تشخيص التهاب القولون التقرّحي.
٤. العوامل البيئية
قد تؤثر بعض العوامل البيئية في قابلية الإصابة أو شدة الأعراض أو نشاط المرض، ومنها:
● النمط الغذائي
● الاستخدام السابق أو المتكرر للمضادات الحيوية
● الأدوية غير الستيرويدية المضادة للالتهاب
● استخدام موانع الحمل الفموية
● تلوث الهواء والماء
● تاريخ التدخين
● الضغط النفسي
لا يُعد الضغط النفسي السبب الوحيد للمرض، لكنه قد يؤثر في التواصل بين الدماغ والأمعاء، وتنظيم المناعة، ونفاذية الأمعاء، وشدة الأعراض.
ما الحالات التي قد تشبه التهاب القولون التقرّحي؟
من الضروري استبعاد العدوى وغيرها من أسباب التهاب القولون قبل تأكيد التشخيص. وتشمل أهم الاحتمالات:
● التهاب القولون البكتيري أو الفيروسي أو الطفيلي
● عدوى المطثية العسيرة Clostridioides difficile
● مرض كرون
● التهاب القولون المجهري
● التهاب القولون الإقفاري، خاصة عند وجود الظروف السريرية المناسبة
● التهاب القولون الناتج عن بعض الأدوية
● الداء البطني أو السيلياك
● عدم تحمل بعض الأطعمة
● متلازمة القولون العصبي عند وجود الأعراض دون دليل موضوعي على التهاب الأمعاء
الفحوصات المستخدمة في تقييم التهاب القولون التقرّحي
تحاليل الدم
قد يشمل التقييم المبدئي:
● تعداد الدم الكامل
● الأملاح ووظائف الكلى
● إنزيمات الكبد والبيليروبين والألبومين والبروتين الكلي
● البروتين المتفاعل C وسرعة ترسيب كريات الدم الحمراء
● الحديد والفيريتين ونسبة تشبع الترانسفيرين
● فيتامين D
● فيتامين B12 وحمض الفوليك عند الحاجة
تساعد هذه الفحوصات على اكتشاف الالتهاب، وفقر الدم، وفقدان الدم، ونقص العناصر الغذائية، والجفاف، واحتمال تأثر الكبد أو القنوات الصفراوية.
فحص p-ANCA وASCA
يرتبط الجسم المضاد p-ANCA بصورة أكبر بالتهاب القولون التقرّحي، بينما يرتبط ASCA بصورة أكبر بمرض كرون. وقد يدعم نمط p-ANCA الإيجابي مع ASCA السلبي احتمال التهاب القولون التقرّحي، في حين قد يدعم نمط ASCA الإيجابي مع p-ANCA السلبي احتمال مرض كرون.
لكن هذه المؤشرات لا تستطيع وحدها تشخيص أي من الحالتين أو نفيهما، ويجب تفسيرها مع التاريخ المرضي والأعراض وتحاليل البراز ونتائج منظار القولون والخزعات.
تحاليل البراز
قد تشمل فحوصات البراز:
● البحث عن مسببات العدوى البكتيرية
● فحص المطثية العسيرة
● فحوصات الطفيليات عند الحاجة
● كالبروتكتين البراز
● لاكتوفيرين البراز
يساعد الكالبروتكتين واللاكتوفيرين على اكتشاف التهاب الأمعاء ومتابعته، لكنهما ليسا خاصين بالتهاب القولون التقرّحي ولا يحددان سبب الالتهاب بمفردهما.
قد تُستخدم فحوصات البراز الشاملة، مثل GI-MAP، ضمن تقييم الطب الوظيفي لاستكشاف مسببات مرضية محتملة، ومؤشرات الهضم، وأنماط اختلال الميكروبيوم. لكنها لا تثبت تشخيص التهاب القولون التقرّحي ولا تغني عن منظار القولون والخزعات.
منظار القولون والخزعات
يُعد منظار القولون مع أخذ خزعات منتظمة عنصرًا أساسيًا في التشخيص. فهو يساعد على تحديد مدى الالتهاب وشدته، والتمييز بين التهاب القولون التقرّحي وغيره من أنواع التهاب القولون، وتوفير خط أساس للمتابعة اللاحقة.
تقييم فرط النمو البكتيري في الأمعاء الدقيقة «سيبو»
قد يتزامن فرط النمو البكتيري في الأمعاء الدقيقة مع أمراض الأمعاء الالتهابية، وقد يساهم في الانتفاخ، والغازات الزائدة، وألم البطن، والإسهال، أو تغير نمط الإخراج.
عند وجود أعراض توحي بسيبو، يمكن التفكير في اختبار تنفس الهيدروجين والميثان باستخدام الجلوكوز أو اللاكتولوز. تجمع بعض البروتوكولات عينات التنفس لمدة تتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات. ويجب تفسير النتيجة في سياق الأعراض وسرعة العبور المعوي ومحدودية دقة اختبارات التنفس.
الحالات المصاحبة لالتهاب القولون التقرّحي
قد يرتبط المرض بحالات تؤثر في أعضاء أخرى، ومنها:
● المفاصل: التهاب المفاصل الطرفية، أو التهاب المفصل العجزي الحرقفي، أو التهاب الفقار المقسط
● الجلد: الحمامى العقدة أو تقيح الجلد الغنغريني
● العينان: التهاب ظاهر الصلبة أو التهاب العنبية
● الكبد والقنوات الصفراوية: خصوصًا التهاب الأقنية الصفراوية المصلّب الأولي
● العظام: نقص كثافة العظام أو هشاشتها
● الدم: فقر الدم الناتج عن نقص الحديد أو الالتهاب المزمن أو كليهما
نظرًا إلى ارتباط المرض بالتهاب الأقنية الصفراوية المصلّب الأولي، قد يشمل التقييم الفوسفاتاز القلوي، وإنزيم GGT، وإنزيمي ALT وAST، والبيليروبين. ويتطلب استمرار نمط ركود الصفراء في التحاليل تقييمًا طبيًا إضافيًا.
كما ينبغي تقييم صحة العظام وفق مدة المرض، والحالة الغذائية، ومرحلة انقطاع الطمث، ومستوى فيتامين D، والتعرض السابق للكورتيزون.
نهج الطب الوظيفي في التهاب القولون التقرّحي
لا يقتصر تقييم الطب الوظيفي على أعراض الأمعاء وحدها، بل ينظر إلى العوامل التي قد تؤثر في الالتهاب، ووظائف الجهاز الهضمي، والحالة الغذائية، وجودة الحياة. ولا يهدف هذا النهج إلى استبدال متابعة اختصاصي الجهاز الهضمي أو الأدوية الموصوفة، بل إلى تحديد العوامل القابلة للتعديل وتقديم دعم فردي إلى جانب العلاج الطبي المناسب.
١. اكتشاف نقص العناصر الغذائية
قد يؤدي التهاب الأمعاء المزمن، وفقدان الدم، وانخفاض تناول الطعام، والحميات التقييدية إلى نقص بعض العناصر. وقد يشمل التقييم مخزون الحديد، وفيتامين D، وفيتامين B12، وحمض الفوليك، والألبومين، وغيرها وفق الحالة السريرية لكل شخص.
٢. تخصيص النظام الغذائي
لا توجد حمية واحدة تناسب جميع المصابين بالتهاب القولون التقرّحي أو جميع مراحل المرض.
الحمية قليلة البقايا
قد تُستخدم الحمية قليلة البقايا أو منخفضة الألياف بصورة مؤقتة أثناء النوبة النشطة، خاصة عند وجود الإسهال أو النزف أو الإلحاح أو ألم البطن. وهي عادة إجراء قصير المدى وليست نظامًا دائمًا.
حمية الكربوهيدرات المحددة
دُرست حمية الكربوهيدرات المحددة في أمراض الأمعاء الالتهابية. وقد وصفت دراسات صغيرة وتقارير سريرية تحسن الأعراض لدى بعض المرضى، لكن الأدلة لا تزال محدودة. لذلك يجب تخصيصها ومراقبة كفايتها الغذائية، وعدم عرضها على أنها وسيلة مضمونة لإدخال المرض في مرحلة الهدوء.
الحمية منخفضة الفودماب
قد تساعد الحمية منخفضة الفودماب على تقليل الأعراض الوظيفية المصاحبة مثل الانتفاخ والغازات وألم البطن. ويتمثل دورها الأساسي في تخفيف الأعراض، ولم يثبت أنها تعالج الالتهاب الأساسي في القولون. ولأنها حمية تقييدية، ينبغي عدم إطالة مرحلة الاستبعاد دون حاجة.
٣. تقييم الميكروبيوم ووظائف الهضم
عندما يكون ذلك مناسبًا، قد يتضمن التقييم الموسع البحث عن العدوى، واختلال الميكروبيوم، وسيبو، ووظائف الهضم، ونمط التبرز. ويجب تحديد أهمية كل نتيجة في سياق نشاط المرض، والأدوية المستخدمة، والأعراض، ونتائج الفحوصات التشخيصية الأساسية.
٤. بعض العناصر والمركبات النباتية المساندة
تشمل التدخلات المساندة التي تُناقش في الرعاية التكاملية:
● تصحيح نقص فيتامين D
● الكركمين
● البوسويليا أو اللبان الهندي Boswellia serrata
● الألوفيرا
● البيوتيرات
● أحماض أوميغا-3 الدهنية
● بعض أنواع البروبيوتك المحددة
وقد يُستخدم الزنجبيل أو النعناع أو البابونج أحيانًا لتأثيراتها الطاردة للغازات أو المهدئة أو المضادة للتقلصات. ومع ذلك، لا تكون المكملات والأعشاب آمنة تلقائيًا لجميع المرضى؛ بل يجب تقييم قوة الأدلة، والجرعة، والجودة، والتداخلات الدوائية، ومدى ملاءمتها خلال نشاط المرض لكل حالة على حدة.
٥. البروبيوتك
تعتمد تأثيرات البروبيوتك على السلالة والتركيبة المستخدمة. ومن التركيبات متعددة السلالات التي دُرست تاريخيًا في التهاب القولون التقرّحي VSL#3، وخاصة تركيبة De Simone الأصلية، التي تُسوّق حاليًا في بعض الدول باسم Visbiome. كما دُرست سلالة Escherichia coli Nissle 1917.
لا يمكن اعتبار هذه التركيبات مماثلة لأي منتج بروبيوتك تجاري عشوائي. ولا تدعم الأدلة الحالية استخدام البروبيوتك بديلًا للعلاج الأساسي، رغم دراسة بعض التركيبات بوصفها دعمًا مساعدًا لدى بعض المصابين بالمرض الخفيف إلى المتوسط.
٦. إدارة الضغط النفسي والدعم التكميلي
يمكن التفكير في تقنيات إدارة الضغط النفسي، وممارسات العقل والجسم، والوخز بالإبر كإجراءات مساندة للتوتر أو الألم أو جودة الحياة. لكنها لا تستبدل تقييم الالتهاب المعوي النشط وعلاجه.
٧. زراعة ميكروبيوتا البراز
أظهرت زراعة ميكروبيوتا البراز نتائج واعدة في بعض الدراسات المتعلقة بالتهاب القولون التقرّحي، لكن النتائج تختلف تبعًا لاختيار المتبرع، وطريقة التحضير، وطريق الإعطاء، والبروتوكول المستخدم. ولا يزال دورها في هذا المرض تخصصيًا وتجريبيًا، ويتطلب فحصًا صارمًا للمتبرعين وإشرافًا طبيًا. ولا ينبغي محاولة إجرائها منزليًا.
المبدأ الأساسي: خطة فردية ومتدرجة
لا ينتج التهاب القولون التقرّحي عن مشكلة واحدة منفصلة، ولا يمكن التعامل معه بفاعلية من خلال مكمل واحد أو حمية موحدة لجميع المرضى. يجب أن تبدأ الخطة الدقيقة بتقييم نشاط المرض، واستبعاد العدوى، واكتشاف المضاعفات ونقص العناصر الغذائية، ثم معالجة العوامل القابلة للتعديل وفق تسلسل منطقي.
يوفر الطب الوظيفي إطارًا أوسع لتقييم صحة الأمعاء والتغذية والتوازن الميكروبي وعوامل نمط الحياة، على أن يظل متكاملًا مع متابعة اختصاصي الجهاز الهضمي، والمناظير الدورية، والعلاج الطبي الموصوف.
احجز استشارتك
إذا كنت تعاني من التهاب القولون التقرّحي وترغب في تقييم شامل وفق نهج الطب الوظيفي، يمكن للاستشارة الفردية أن تساعد على مراجعة الأعراض والتاريخ الصحي والتغذية والتحاليل ووظائف الجهاز الهضمي والعوامل المحتملة المرتبطة بالحالة. والهدف هو بناء خطة واضحة ومتدرجة تتكامل مع رعايتك الطبية الحالية.
احجز استشارتك مع الدكتورة سمر شاذلي لبدء تقييم فردي لصحة الجهاز الهضمي والاحتياجات الغذائية.
هذا المقال مخصص للتثقيف ولا يغني عن التشخيص أو العلاج أو المتابعة مع اختصاصي الجهاز الهضمي. يتطلب ظهور نزف جديد أو متزايد من المستقيم، أو ألم شديد في البطن، أو حمى مستمرة، أو جفاف، أو انتفاخ شديد بالبطن، أو ضعف ملحوظ تقييمًا طبيًا عاجلًا.
Selected References | مراجع مختارة
1. American College of Gastroenterology. Updated 2025 ACG Guidelines for Ulcerative Colitis. https://gi.org/journals-publications/ebgi/alkazzi_aug2025/
2. Gordon H, et al. ECCO Guidelines on Extraintestinal Manifestations in Inflammatory Bowel Disease. Journal of Crohn’s and Colitis. 2024;18(1):1–37. https://academic.oup.com/ecco-jcc/article/18/1/1/7205776
3. World Gastroenterology Organisation. Probiotics and Prebiotics Global Guideline. 2023. https://www.worldgastroenterology.org/guidelines/probiotics-and-prebiotics/probiotics-and-prebiotics-english
4. Chibbar R, Dieleman LA. Probiotics in the Management of Ulcerative Colitis. Journal of Clinical Gastroenterology. 2015;49 Suppl 1:S50–S55. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/26447965/
5. AGA Clinical Practice Guideline on Fecal Microbiota-Based Therapies for Select Gastrointestinal Diseases. Gastroenterology. 2024. https://www.gastrojournal.org/article/S0016-5085(24)00038-8/fulltext